كتب محمد سويلم-
لعل من اللافت مؤخرا مرور المزاج العام -بما يتعلق بالاحداث التي تشهدها المنطقة العربية والميادين الملتهبة في الجوار ومن حولنا وفي الداخل- بموجة تقلب وتبدل في اتجاهات الرأي والانطباعات، لدى مجاميع كبيرة من اطياف مجتمعاتنا، سياسيا، وفكريا، وشعبويا، ومن مختلف مكونات النسيج المجتمعي..وكأن لسان حالهم يقول: أما آن لنا أن نقف لحيظات تأمل مع أنفسنا اليوم؟! أما آن لعقولنا وضمائرنا ان تظفر بخلوة عصف ومراجعة سريعة مع أنفسنا المتوثبة عادة بشحنات وطاقات عاطفية مبعثرة الاتجاهات؟! أما آن أن نصحوا من غفلتنا وندرك ان ما يحصل من فوضى وفتن واحداث متوالية على ساحاتنا؛ ليس بمحض الصدفة وانه غير بريء من شر وتدبير؟!.العنف.. اثارة النعرات.. الاقليمية.. بث الفتن.. احداث الفوضى.. افتعال الازمات.. تفتيت نسيج المجتمع.. اضعاف اللحمة الوطنية... هل يقبل العقل السليم ان تكون الفوضى طريق لبناء الاوطان وتقوية الداخل؟!..تساؤلات وشكوك عديدة تطرح بشدة اليوم،
ودائرتها تتسع اكثر فأكثر مع مرور الوقت والحالة الضبابية في الساحتين العربية والمحلية ما زالت ظلالها مخيمة على المشهد العام سياسيا واقتصاديا واجتماعيا و(...)، والسؤال الاكثر منطقية والحاحا من بين كل ذلك؛ هو: لمصلحة من هذه الفوضى والغوغائية واضعاف المؤسسات، ومن المستفيد من حالة غياب البوصلة؟!.والدراسة المستفيضة للحالة العربية وامتدادها محليا وتفحص الوقائع وربط الاحداث، من خلال القيام ببحث حقيقي وعميق لحقبة زمنية من بوابة دخولنا العصر الحديث، نتوصل الى ان الفوضى والحالة الضبابية التي نعيشها اليوم (سياسيا وثقافيا واجتماعيا و...)؛ نتاج عمل ممنهج لعقود مضت منذ منتصف القرن العشرين، وستتكشف لنا يقينية وجود مخطط اعتمد تجنيد العديد من الأدوات من الداخل لتأدية ادوار ومهام تصب في صالح "برنامج عمل دقيق".برنامج العمل.. هو استراتيجية استعمارية هدفها الاكبر خدمة المشروع الصهيوني في المنطقة، وقد أدت تلك الادوات المتغلغلة في جميع القطاعات والمجالات وعلى رأسها الجانب الديني الذي كان للتستر باسمه وولوج ساحته التأثير الاكبر على الشارع العربي وقيادته بكل سهولة في الاتجاه الذي يخدم المشروع الاستعماري، ومن هنا انطلق ما سمي بـ"الاسلام السياسي" الذي تديره ماكنة الاستعمار من الخارج وتوجهه بحسب مصالحها.وتفصيل هذا الامر يطول وسنتطرق لكافة جوانبه لاحقا...الاستراتيجية اعتمدت عنصرين اساسيين: المال وهو عنصر القوة، وايجاد ادوات محلية وزرعها او تمكينها في مجالات مختلفة داخل مجتمعاتنا لتوجيه الرأي العام والتحكم بالمزاج الشعبي..الادوات المحلية.. وهذا الجانب له اهمية كبيرة فهو حجر زاوية في اللعبة والمخطط الاستعماريين، ولا بد من وضعه تحت المجهر وشرح تفاصيله بدقة وتعمق، وذكر عدد من الوقائع في محيطه وبعض شخوصه، وايضا المجال هنا لا يتسع وسنتناوله في مقالة منفصلة.الا انه لابد من إلقاء الضوء على نقاط مهمة وبشكل مختصر دون شرح وتدليل، لنعود سريعا الى موضوعنا الرئيس عن حالة الفوضى وما يرافقها من احداث نستفيق او نبيت على وقع عنفها في ساحتنا المحلية وكذا عربيا.والادوات المحلية التي ذكرناها آنفا.. وتستمال بالمال او بمغريات الكرسي والزعامات؛ لا تقتصر على المجال السياسي من خلال بعض منتسبيه فحسب، بل ان المخطط لم يترك مجالا او قطاعا او صفة مؤثرة داخل النسيج المجتمعي الا وزرع فيه الادوات التي تتحرك بناء على دور محدد وضمن دائرة النطاق المرسوم لها.سنوات طويلة تم العمل خلالها على بث عدد من المفاهيم وبناء القناعات على مجموعة من الاحداث او القضايا بما يؤثر في تكوين الرأي العام الشعبي وبطريقة تراكمية بحيث يتم الترويج لفكرة او رأي معينين ويترك الامر ثم بعد فترة ضمن الجدول الزمني يتم بث فكرة اخرى وهكذا تبنى الانطباعات والتوجهات لبنة فوق لبنة بشكل مدروس وممنهج حتى يكتمل البناء المرجو، ثم بناء اخر واخر تشكل بمجموعها مسارات تقود وتوجه الرأي العام الى الهدف المراد الوصول اليه لتثبيت دعامات المشروع الصهيوني الاستعماري.وتصبح هذه الادوات -بظلمة ليل دامس بما يحاك من دسائس ومؤامرات- بسهولة ويسر ودون عناء؛ رموز وطنية او قومية او دينية بحسب الثوب التي اتخذته ستارا تروج به سلعتها الفاسدة؛ وتسير خلفها بضع او كثير من فئات مجتمعاتنا التي تحكم العاطفة على العقل، ممن غرهم زيف الادوات العميلة التي صنعتها وقامت بتلميعها قوى الاستعمار، وممن يغترون بالمظهر ولا يتبينون ويتأكدون من سلامة ما يمرر لهم ومن حقيقة الاسماء والشخوص الدخيلة على الدين..سلاح هذه الادوات والطعم الذي تجذب به الجماهير؛ لا يتجاوز كونه مجموعة شعارات براقة وجعجعات فارغة، ومعارضة موجهة مدفوعة، ووطنية وقومية مزعومتان، وقول حق اريد به باطل ودس للسم بالدسم؛ وفي الوقت ذاته زرعت ادوات اخرى مقابلها تلعب دور المعارضة لتلك التي اشرنا إليها سابقا، بحيث تؤدي اطراف هذه المعادلة بمزيج وتناقض ادوارها مكاسب عديدة لخدمة هدف واحد، والاخطر هو الترويج لفكر ظلامي تكفيري جاءت به أدوات تمت زراعتها في قلب الامة وتسويقها كقيادات دينية للتمويه على الناس ونشر هذا الفكر الفاسد.وعودة للساحة الداخلية التي تعج بشتى انواع الفوضى المفتعلة والممنهجة سواء بافتعال الحدث او بالتعامل مع اي حدث طارئ، بحيث تكون الفوضى هي عنوان مرحلة حتى الوصول لشل جميع مكونات ومؤسسات الدولة، وجعل الشعوب بحالة تيهان وانحجاب للرؤية، وليكون الرأي العام بلا رأي صائب.. فاقد للبوصلة... ليسهل قيادته وتوجيهه.. والشعوب في هذه الحالة عبارة عن ادوات مغرر بها من قبل ادوات متقنة لدورها..!!فالمنصف العاقل يصل الى النتيجة الحتمية، أن ما يطرأ من حوادث وطريقة وتوقيت حدوثها بحيث يعقب الحدث حادثة والازمة احتجاج؛ وما يرافقها من ردود فعل وافتعال للازمات؛ واستدامة حالة الفوضى وتغذيتها، ليس مجرد مصادفة بريئة من الشبهات وليست تخلو من الكثير من علامات الاستفهام ورائحة الاجندة المسمومة تفوح من طياتها.ولا ينكر هذا المنصف ان من الواجب علينا اليوم ان نكون اكثر وعيا واوسع ادراكا لكل ما يحاك ويدبر، وان لا نقبل ان نكون جزءا من الاحداث لا نملك سوى التفاعل معها او ان نكون مجرد ردود فعل متحفزة بانتظار ما يتناثر من احداث هدفها تفتيت مجتمعاتنا وهدم اوطاننا.. علينا ان نفيق قبل ان نندم ويكون الاوان قد فات.. علينا ان نفيق ونضع حدا للفوضى وادواتها وابواقها..(الرأي)
إرسال تعليق